كان بونابرت أول مستعمر يلجأ إلى استخدام عبارات تداعب مشاعر المصريين
دينيا، كما يتضح من صيغة بيانه الأول الصادر للأهالي باللغة العربية، والذي
كتبه مستشرقون أمثال فانتور ومارسيل، يجهل الفرنسيون في صفوف جيشه فحواه
بل يغاير أحيانا نسخة البيان الفرنسي.
بدأ بونابرت بيانه الأول الذي أورده المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، المعاصر للحملة، في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ما نصه (دون تدخل لغوي):
"بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له، ولا شريك له في الملك، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته، يُعّرف أهالي مصر جميعهم... قد قيل لكم، إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم".
وأضاف بونابرت : "أيها المشايخ والقضاة...قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام...طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيُصلح مالهم وتُعلى مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين...لكن الويل كل الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر".
اختلفت بالطبع بعض صيغ نفس البيان في الأصل الفرنسي الذي ورد ضمن وثائق مذكرات الضابط جان جوزيف مواريه، في اللواء 75 في حملة جيش الشرق، بعنوان "مذكرات حملة مصر" والمنشورة في باريس عام 1818، إذ يبدأ البيان الفرنسي نصا:
"المعسكر العام في الإسكندرية 15 ميسدور السنة السادسة (13 يوليو 1798) من بونابرت عضو المجلس الوطني والقائد العام للجيش ..."
كما تحولت الصيغة في الأصل الفرنسي إلى : "أيها المشايخ والقضاة ... قولوا لأمتكم إننا سنكون أصدقاء المسلمين بحق. ألم نقض على كرسي البابا وفرسان مالطا لأن هؤلاء الأعداء اعتقدوا أن الله أراد منهم قتال المسلمين".
كان بونابرت قد أصدر بيانه الأول للجيش، الذي كان يجهل الهدف العسكري من الحملة، بتاريخ 12 يوليو 1798 على متن سفينة القيادة "لوريان (الشرق)" يلخص فيه دوافعه كما يلي نقلا عن النص الوارد في مذكرات مواريه:
"ستقومون بغزوة سيكون لها مبلغ الأثر في الحضارة والتجارة في العالم، ستكون أكبر ضربة توجه إلى إنجلترا انتظارا لأن تقضوا عليها بالضربة القاصمة، ستكون المسيرة شاقة، ستخوضون العديد من المعارك، وسيكون النصر حليفنا لأن الأقدار في صالحنا".
ويضع بونابرت في متن نفس النص أسس التعامل بين الفريقين، الفرنسي "المسيحي" والمصري "المسلم"، تفاديا لحدوث خسائر قائلا:
"اعلموا أن الشعوب التي نحن بصدد العيش معها هي شعوب محمدية، وأول أسس إيمانهم هي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا تعارضوهم وعاملوهم مثلما عاملتم اليهود والإيطاليين، وراعوا مفتييّ ديارهم وأئمتهم كما راعيتم الأحبار والرهبان، وانظروا إلى احتفالياتهم وطقوسهم التي شرعها القرآن، وإلى مساجدهم، بنفس عين التسامح التي أوليتموها للأديرة والمعابد اليهودية، لدين موسى ويسوع المسيح".
لم تفلح كل هذه الاحتياطات البلاغية في تبديد مخاوف المصريين، الذين ارتابوا في وعود القائد الفرنسي ونواياه، وهو ما أشار إليه برتران في مذكراته قائلا:
"إن الفرنسيين ليسوا سوى مقبولين على مضض من المؤمنين، الذين أذهلتهم سرعة الأحداث، فانحنوا أمام القوة، ينعون سوء الحظ الذي نصر الكفار الذين دنس وجودهم المياه المقدسة، يتألمون من الخزي الواقع على أول مفتاح للكعبة المشرفة (أي مصر)".
بدأ بونابرت تنفيذ وعوده مغتنما فرصة سياسة الاحتفالات ليجتذب بها قلوب المصريين ويعلن نفسه أمام العالم الإسلامي أنه صديق الإسلام والمسلمين، ومنها احتفاله بالمولد النبوي وتنصيب أمير للحج، مصطفى بك كتخدا، في أول سبتمبر/أيلول 1798، كما كتب إلى شريف مكة يعده بإرسال أوقاف الحرمين الشريفين، ليدعم صورته كصديق للإسلام.
علم بونابرت من شيوخ الأزهر أنهم لا يعتزمون إقامة الاحتفال السنوي بالمولد النبوي، ففطن إلى أن السبب ربما احتجاج معنوي على وجوده في مصر، وتعلل الشيوخ بعدم توافر الأموال اللازمة، فاغتنم الفرصة لتعزيز صورته كصديق للإسلام وأعطاهم المبالغ الضرورية لإقامة الاحتفال.
شارك الجيش الفرنسي في الاحتفال بالمولد النبوي وقدم عروضا عسكرية وحفلات موسيقية وأطلق ألعابا نارية، كما نصّب بونابرت في هذه المناسبة الشيخ البكري نقيبا للأشراف في مصر لكسب التأييد المحلي لسياسته.
فطن بونابرت إلى مكانة شيوخ الأزهر لدى المصريين فحرص على كسب ودهم وتوصية قادته باتباع نفس النهج، وهو ما يتضح، على سبيل المثال، من رسالة أرسلها بونابرت إلى القائد مارمون بتاريخ 28 أغسطس/آب 1798 يقول فيها:
"اذهب إلى الشيخ المسيري، وأبلغه أنني ألتقى رؤساء الشرع وهم زعماء القاهرة ثلاث أو أربع مرات كل عشرة أيام، لايوجد شخص أكثر منّي اقتناعا بنقاء وقدسية الدين الإسلامي".
دأب القائد الفرنسي على مجالسة علماء الدين وشيوخ الأزهر يسألهم عن الدين الإسلامي، ساعيا إلى تصوير نفسه "المهدي المنتظر" للمسلمين، بل أعلن ذلك صراحة لسكان القاهرة في أعقاب الثورة الأولى ضده في بيان صدر بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول 1798 بمناسبة إعادة فتح ديوان المشايخ، الذي أسسه كهيئة استشارية محلية، وبعد حادثة اقتحام الجامع الأزهر لإخماد الثورة وضربه بالمدفعية.
بدأ بونابرت بيانه الأول الذي أورده المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، المعاصر للحملة، في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ما نصه (دون تدخل لغوي):
"بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له، ولا شريك له في الملك، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته، يُعّرف أهالي مصر جميعهم... قد قيل لكم، إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم".
وأضاف بونابرت : "أيها المشايخ والقضاة...قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي دائما يحث النصارى على محاربة الإسلام...طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيُصلح مالهم وتُعلى مراتبهم، طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين...لكن الويل كل الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر".
اختلفت بالطبع بعض صيغ نفس البيان في الأصل الفرنسي الذي ورد ضمن وثائق مذكرات الضابط جان جوزيف مواريه، في اللواء 75 في حملة جيش الشرق، بعنوان "مذكرات حملة مصر" والمنشورة في باريس عام 1818، إذ يبدأ البيان الفرنسي نصا:
"المعسكر العام في الإسكندرية 15 ميسدور السنة السادسة (13 يوليو 1798) من بونابرت عضو المجلس الوطني والقائد العام للجيش ..."
كما تحولت الصيغة في الأصل الفرنسي إلى : "أيها المشايخ والقضاة ... قولوا لأمتكم إننا سنكون أصدقاء المسلمين بحق. ألم نقض على كرسي البابا وفرسان مالطا لأن هؤلاء الأعداء اعتقدوا أن الله أراد منهم قتال المسلمين".
كان بونابرت قد أصدر بيانه الأول للجيش، الذي كان يجهل الهدف العسكري من الحملة، بتاريخ 12 يوليو 1798 على متن سفينة القيادة "لوريان (الشرق)" يلخص فيه دوافعه كما يلي نقلا عن النص الوارد في مذكرات مواريه:
"ستقومون بغزوة سيكون لها مبلغ الأثر في الحضارة والتجارة في العالم، ستكون أكبر ضربة توجه إلى إنجلترا انتظارا لأن تقضوا عليها بالضربة القاصمة، ستكون المسيرة شاقة، ستخوضون العديد من المعارك، وسيكون النصر حليفنا لأن الأقدار في صالحنا".
ويضع بونابرت في متن نفس النص أسس التعامل بين الفريقين، الفرنسي "المسيحي" والمصري "المسلم"، تفاديا لحدوث خسائر قائلا:
"اعلموا أن الشعوب التي نحن بصدد العيش معها هي شعوب محمدية، وأول أسس إيمانهم هي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا تعارضوهم وعاملوهم مثلما عاملتم اليهود والإيطاليين، وراعوا مفتييّ ديارهم وأئمتهم كما راعيتم الأحبار والرهبان، وانظروا إلى احتفالياتهم وطقوسهم التي شرعها القرآن، وإلى مساجدهم، بنفس عين التسامح التي أوليتموها للأديرة والمعابد اليهودية، لدين موسى ويسوع المسيح".
لم تفلح كل هذه الاحتياطات البلاغية في تبديد مخاوف المصريين، الذين ارتابوا في وعود القائد الفرنسي ونواياه، وهو ما أشار إليه برتران في مذكراته قائلا:
"إن الفرنسيين ليسوا سوى مقبولين على مضض من المؤمنين، الذين أذهلتهم سرعة الأحداث، فانحنوا أمام القوة، ينعون سوء الحظ الذي نصر الكفار الذين دنس وجودهم المياه المقدسة، يتألمون من الخزي الواقع على أول مفتاح للكعبة المشرفة (أي مصر)".
بدأ بونابرت تنفيذ وعوده مغتنما فرصة سياسة الاحتفالات ليجتذب بها قلوب المصريين ويعلن نفسه أمام العالم الإسلامي أنه صديق الإسلام والمسلمين، ومنها احتفاله بالمولد النبوي وتنصيب أمير للحج، مصطفى بك كتخدا، في أول سبتمبر/أيلول 1798، كما كتب إلى شريف مكة يعده بإرسال أوقاف الحرمين الشريفين، ليدعم صورته كصديق للإسلام.
علم بونابرت من شيوخ الأزهر أنهم لا يعتزمون إقامة الاحتفال السنوي بالمولد النبوي، ففطن إلى أن السبب ربما احتجاج معنوي على وجوده في مصر، وتعلل الشيوخ بعدم توافر الأموال اللازمة، فاغتنم الفرصة لتعزيز صورته كصديق للإسلام وأعطاهم المبالغ الضرورية لإقامة الاحتفال.
شارك الجيش الفرنسي في الاحتفال بالمولد النبوي وقدم عروضا عسكرية وحفلات موسيقية وأطلق ألعابا نارية، كما نصّب بونابرت في هذه المناسبة الشيخ البكري نقيبا للأشراف في مصر لكسب التأييد المحلي لسياسته.
فطن بونابرت إلى مكانة شيوخ الأزهر لدى المصريين فحرص على كسب ودهم وتوصية قادته باتباع نفس النهج، وهو ما يتضح، على سبيل المثال، من رسالة أرسلها بونابرت إلى القائد مارمون بتاريخ 28 أغسطس/آب 1798 يقول فيها:
"اذهب إلى الشيخ المسيري، وأبلغه أنني ألتقى رؤساء الشرع وهم زعماء القاهرة ثلاث أو أربع مرات كل عشرة أيام، لايوجد شخص أكثر منّي اقتناعا بنقاء وقدسية الدين الإسلامي".
دأب القائد الفرنسي على مجالسة علماء الدين وشيوخ الأزهر يسألهم عن الدين الإسلامي، ساعيا إلى تصوير نفسه "المهدي المنتظر" للمسلمين، بل أعلن ذلك صراحة لسكان القاهرة في أعقاب الثورة الأولى ضده في بيان صدر بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول 1798 بمناسبة إعادة فتح ديوان المشايخ، الذي أسسه كهيئة استشارية محلية، وبعد حادثة اقتحام الجامع الأزهر لإخماد الثورة وضربه بالمدفعية.
No comments:
Post a Comment